كلمة العميد الإرشادية إفتتاح السنة الدراسية 2017 – 2018

1 September 2017, 12:00 am
Read 45 times

معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي

 كلمة العميد الإرشادية

 إفتتاح السنة الدراسية 2017 – 2018

 1 أيلول 2017

 

قدس الآباء الأجلاء، أيها الزملاءُ الأساتذة والعاملون في المعهد، أحبائي الطلبة،

يطيب لي أن أنقل لكم في بدء هذه السنة الدراسية رسالةَ محبةٍ، وبركةً أبويةً من غبطة البطريرك يوحنا العاشر راعي كنيسة أنطاكية وسائر المشرق الكلّي الطوبى؛ وسلامَ مودّةٍ من آباء المجمع الأنطاكي المقدس الجزيلي المحبة والاحترام. إذ إن لمعهد اللاهوت، كما تعلمون، مكانةً خاصة في قلب أبينا الجليل وبطريركنا الذي بذل غير قليل من سني عمره في خدمة هذا الصرح الكنسي العلمي وتدبيره، وكذلك لدى آباء مجمعنا المقدس الذين طالما علموا أن معهد اللاهوت على هذه التلة البلمندية المباركة إنما هو قِبلة أنطاكية وخيمتُها ومنطلقُ العملِ والتكرّس فيها.

تمر بلادنا في مرحلة تاريخية مفصلية يعلو فيها صوت السلاح والإرهاب والتهجير والأذى المتعمّد والتكفير. عنفٌ غير مسبوق في ديارنا ولا حتى في أحلك ظروفها التاريخية. أمواج عاتية ترتفع من حول الكنيسة السفينة المبحرة في الصيرورة التاريخية وتسعى إلى محاصرتها، ولكن من دون جدوى. "لأن مياهً كثيرة لا تغمر المحبة" (نشيد 8: 7)، ولأن حضور نعمة الله فيها ما زال يثبت أبناءها ويعزي قلوبهم.

كل هذه التجارب تجعلنا نتشبث في أرضنا وفي إيماننا بل هي تفعم أفئدتنا شجاعةً وشوقًا وتطلعًا إلى فجر المسيح المنير المزمع أن يبزغ في سماء بلادنا ليبدد نورُ الرب وافتقادُه عتمة الليل الدامس. "وليس ذلك فقط، بل نفتخر أيضًا في الضيقات، عالمين أن الضيق ينشئ صبرًا، والصبر تزكيةً، والتزكية رجاءً، والرجاءُ لا يخزي. لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا" (رومية 5: 3-5).

والمحبة منطقٌ يشدنا إلى الكنيسة وإلى ديار بيت الرب. المحبة النقية، الصافية، البلورية، العذبة، التي تذوقناها في كنيسة المسيح هي الأساس لتوقنا وتحركنا نحو التكرس والسعي لبلوغ وحدة الحال مع من سبقونا على هذه الطريق. لقد علّمنا آباؤنا القديسون أن نثبت في الإيمان والرجاء والمحبة لكي نثمر بالصبر ثلاثين وستين ومائة.

هذا هو واقع الكنيسة: غرس إلهي لا تقوى يدٌ على اقتلاعه مهما اشتدّ ساعدها وعظمت وتعالت. أو مهما ارتفعت الأصوات المنتقدة للمكرسين في الكنيسة ولرعاتها الأمناء الساهرين على خراف المسيح. "فَإِنِّي أَرَى أَنَّ اللهَ أَبْرَزَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ آخِرِينَ، كَأَنَّنَا مَحْكُومٌ عَلَيْنَا بِالْمَوْتِ. لأَنَّنَا صِرْنَا مَنْظَرًا لِلْعَالَمِ، لِلْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ. نَحْنُ جُهَّالٌ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحُكَمَاءُ فِي الْمَسِيحِ! نَحْنُ ضُعَفَاءُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَقْوِيَاءُ! أَنْتُمْ مُكَرَّمُونَ، وَأَمَّا نَحْنُ فَبِلاَ كَرَامَةٍ! إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ نَجُوعُ وَنَعْطَشُ وَنَعْرَى وَنُلْكَمُ وَلَيْسَ لَنَا إِقَامَةٌ، وَنَتْعَبُ عَامِلِينَ بِأَيْدِينَا. نُشْتَمُ فَنُبَارِكُ. نُضْطَهَدُ فَنَحْتَمِلُ. يُفْتَرَى عَلَيْنَا فَنَعِظُ. صِرْنَا كَأَقْذَارِ الْعَالَمِ وَوَسَخِ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى الآنَ. لَيْسَ لِكَيْ أُخَجِّلَكُمْ أَكْتُبُ بِهذَا، بَلْ كَأَوْلاَدِي الأَحِبَّاءِ أُنْذِرُكُمْ. لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ، لكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ." (1 كو 4: 9 - 15).

نعم يا إخوتي الطلبة الذين وطّدتمُ العزم على خدمة الكنيسة. نحن لا نقبل كرامة إلا من الرب يسوع له المجد. ولا نتعزّى إلا في رحاب كنيسته. "واحدة سألت الرب وإياها التمس، أن أسكن في بيت الرب جميع أيام حياتي. لكي أعاين بهاء الرب وأتبصّر في هيكله" (مز 27: 4). لقد وطدنا العزم على اتباع المعلم على درب الجلجلة، لذا نتكرس مستعدين لكل شيء، ولسان حالنا يردد كلام أشعياء النبي: "أعطاني السيد الرب لسان المتعلمين لأعرف أن أغيث المعيي بكلمة. يوقظ كل صباح، يوقظ لي أذنًا لأسمع كالمتعلمين. السيد الرب فتح لي أذنًا وأنا لم أعاند. إلى الوراء لم أرتدّ. بذلت ظهري للضاربين، وخدّي للناتفين. وجهي لم أستر عن العار والبُصاق. والسيد الرب يعينني، لذلك لا أخجل. لذلك جعلت وجهي كالصوان، وعرفت أني لا أخزى لأن الذي يبررني قريب" (أشعياء 50: 4 - 8).

نحن في معهد اللاهوت نوجه العقل والفكر نحو كلمة الله المحمولة إلينا في الأسفار المقدسة. نلتصق بحروفيتها عسانا نرتقي بخبرة الصلاة إلى روحها والنور المنبعث منها. نحن نحرص كل الحرص على تلقف الوديعة من الأجيال التي سبقتنا وعلى صونها. نرى في التقليد الشريف امتدادًا لخبرة معرفة الله والشركة معه المستعلنة في كل صفحة من تاريخ التدبير الإلهي، مذ كان الروح يرفرفرف فوق الماء إلى نزول أورشليم الجديدة من السماء.

نحن نعلم أن سر التكلم باللاهوت، هذا التقليد الكتابي الآبائي الشريف، إنما هو إناء "كلمة الحياة" القادرة أن تبدل العالم وتقيم العظام الرميمة. بل هو أساس كل نهضة حقيقية في مجتمعاتنا واستعادة البوصلة الحقيقية لحضارة الإنسان.

لذا ننكبّ على الدراسة، والركوع، والتوسّل، والتسبيح. ونقارب بعزم البحث العلمي، ونمتشق عُدّة النقد الموضوعي حاملين الصليب في يمنانا و"هادمين ظنونًا وكل علو يرتفع ضد معرفة الله، ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح" (2 كو 10: 5).

لقد آمن آباؤنا القديسون بلغة العقل والحكمة والفهم، وعشقوا الفلسفة وخاضوا غمار حوار الثقافات قديمها وحديثها، فأظهروا لمحيطهم قيمة الجدة في المسيح وأن "كلّ كاتب متعلّم في ملكوت السماوات يشبه رجلاً ربّ بيتٍ يخرج من كنزه جددًا وعتقاء" (متى 13: 52). آباؤنا تبنوا ثقافات عصرهم عن معرفة ودراية وتمكنوا من تعميدها إذ كان لهم "فكر المسيح" (1 كو 2: 16). ونحن اليوم أبناءَهم، أين نحن من هذا الاجتهاد أو الشوق أو التفاني؟

أصلّي في بداية هذه السنة لكي يبارك الله عملنا ودعوتنا ومساعيَنا ويفعم قلوبنا فرحًا وثباتًا. نعم يا إخوتي "إفرحوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا. لِيَكُنْ حِلْمُكُمْ مَعْرُوفًا عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ. اَلرَّبُّ قَرِيبٌ. لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ. وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (فيليبي 3: 4 - 7).

 

له وحده المجد والإكرام في كل شيء. آمين.

الأب بورفيريوس جرجي

العميد